بقلم: نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
حين نتحدث اليوم عن الصين، غالبًا ما تذهب العين مباشرة إلى ما وصلت إليه.
قطارات سريعة، مدن ضخمة، مصانع، تكنولوجيا، فضاء، قمر ومريخ ومحطة فضائية. صورة الصين الحديثة أصبحت حاضرة في العالم، وربما أكثر حضورًا مما كانت عليه قبل سنوات.
لكن وأنا أتابع هذه الصورة، وجدت نفسي أعود إلى الوراء قليلًا.
الصين التي نراها اليوم لم تبدأ من عام 1949 وحده. سبقتها سنوات قاسية عاش فيها الصينيون الحروب والفقر والاضطرابات، وكانت فيها مسألة البقاء نفسها تحديًا كبيرًا.
وأنا أقرأ مقال الزميلة ريماس الصينية بعنوان «90 عامًا على المسيرة الطويلة.. لماذا لا يزال الصينيون يتحدثون عنها؟»، توقفت عند تلك المرحلة أكثر مما توقفت عند أرقامها.
بدأت المسيرة الطويلة في أكتوبر 1934، في ظروف شديدة القسوة. جبال وأنهار ومناطق ثلجية ومستنقعات، ونقص في الطعام والملابس والسلاح، وخسائر كبيرة. ويُعرف الرقم الأشهر لمسيرة قوات الجبهة الأولى بنحو 25 ألف لي، أي قرابة 12 ألفًا و500 كيلومتر، بينما كانت المسيرة أوسع من ذلك، وشاركت فيها جبهات أخرى واستمرت مراحل منها حتى عام 1936.
لكن الرقم لم يكن أكثر ما شدني.
ما بقي في الذاكرة هو تجربة جيل واجه ظروفًا قاسية، واستمر في السير وهو يؤمن بأن ما يقاتل من أجله أكبر من حياته الفردية، وأن للصين مستقبلًا يستحق التضحية.
من هنا اكتسبت المسيرة الطويلة معناها الرمزي في الذاكرة الصينية. ولم يبق اسمها مرتبطًا بالتاريخ فقط، فقد حملته سلسلة الصواريخ الصينية منذ ستينيات القرن الماضي، ثم ارتبط بمشروعات الفضاء والأقمار الصناعية واستكشاف القمر والمريخ ومحطة الفضاء.
لا يعني ذلك أن المسيرة صنعت التكنولوجيا الصينية. بالنسبة لي، المسألة أبعد من ذلك. إنها واحدة من الجذور التاريخية التي بقيت حاضرة في الذاكرة، بينما جاءت أجيال لاحقة لتبني تجربتها في ظروف جديدة وبأدوات مختلفة.
بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، واجهت الصين ملفات ثقيلة: الفقر، التعليم، الأمية، والبنية التحتية. ثم بدأت مراحل متعاقبة من البناء والإصلاح.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح من السهل رؤية النتائج، لكن الطريق الذي سبقها لا يظهر دائمًا في الصورة.
في ملف الفقر مثلًا، كان نحو 100 مليون من سكان الريف يعيشون تحت خط الفقر عام 2012، قبل أن تعلن الصين القضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2020 وفق تعريفها الوطني.
واليوم تبدلت طبيعة التحديات. أصبحت الصين أمام أسئلة تتعلق بالابتكار، وأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، والطاقة النظيفة، والفضاء وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى البحث والتجربة والعمل لسنوات.
وبحكم عملي رئيسًا للفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، أتابع كثيرًا مما يُكتب عن الصين، وأجد أن الأرقام والمشروعات وحدها لا تكفي لفهم هذه التجربة.
خلف كل مصنع عامل، وخلف كل مختبر باحث، وخلف كل جامعة طالب، وخلف كل مشروع مهندس ومعلم. هناك أناس يعملون يوميًا، وغالبًا لا تظهر أسماؤهم في الصورة الكبيرة.
وهذا ربما هو الجزء الذي يعجبني في قراءة التجربة الصينية من زاوية صحفية: التحولات الكبرى لا تحدث في يوم واحد، ولا يصنعها مشروع واحد أو جيل واحد.
واللافت بالنسبة لي أن الاهتمام بالصين لم يعد شأنًا صينيًا خالصًا.
في البصرة واليمن والرياض والمغرب ومصر تُقام فعاليات ومناسبات مرتبطة بالصين، وفي جامعة حضرموت يجري الإعداد لحفل في 24 سبتمبر يجمع بين الذكرى السابعة والسبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية والذكرى السبعين للعلاقات اليمنية الصينية.
وأنا من عدن، أتابع هذه التفاصيل بعين صحفي يمني وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة يقرأ الصين من مسافة بعيدة، عبر الكتابة والبحث والتواصل مع صحفيين وإعلاميين صينيين وعرب.
كلما قرأت أكثر، اكتشفت أن الصين ليست بالنسبة لي قصة اقتصاد فقط.
هي قصة زمن طويل.
من جيل واجه ظروفًا قاسية، إلى أجيال دخلت المدارس والجامعات والمصانع، ثم إلى باحثين ومهندسين يعملون اليوم في مجالات التكنولوجيا والفضاء.
تغيرت الصين كثيرًا، وتغيرت معها طبيعة التحديات، لكن فهم الحاضر يظل ناقصًا إذا عزلناه عن المراحل التي سبقته.
وعندما نحتفل بسبعة وسبعين عامًا على تأسيس جمهورية الصين الشعبية، لا أرى الرقم وحده.
أرى خلفه سنوات من العمل والتجربة، ومسارات متعددة مرت بها الصين، من الصعوبات الأولى إلى البناء والإصلاح، ثم إلى التكنولوجيا والفضاء.
وربما لهذا بقيت المسيرة الطويلة تلفتني حتى اليوم.
فالصين التي نراها اليوم لم تأتِ من فراغ.

التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.