مقالات

من الجزائر إلى اليمن.. كيف نستعيد 70 عاماً من الشراكة اليمنية الصينية؟

S
Saiid Toghly
visibility 67
من الجزائر إلى اليمن.. كيف نستعيد 70 عاماً من الشراكة اليمنية الصينية؟


بقلم: نجيب الكمالي

رئس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين 


وأنا أقرأ مقال الأستاذ عبد القادر خليل، رئيس الفرع الجزائري للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، عن التطور المتسارع في العلاقات الجزائرية الصينية، تملكني مزيج من الغبطة والأسى.

غبطةٌ لبلد عربي وأفريقي يوسع شراكاته مع الصين في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا ونقل المعرفة، وأسىً لأنني، في المقابل، وجدت نفسي أتساءل عن اليمن: أين نحن من كل ذلك؟

سبعون عاماً.. ومحطة مشتركة

لفتني أن الجزائر واليمن تلتقيان هذا العام عند محطة واحدة؛ سبعون عاماً من العلاقات الدبلوماسية مع الصين.

سبعة عقود من العلاقات ليست مجرد ذكرى نحتفي بها، بل تاريخ طويل ومحطات كثيرة وتجارب كان يمكن البناء عليها أكثر مما فعلنا.

العلاقة اليمنية الصينية لها جذور قديمة، وشهدت حضوراً صينياً مبكراً في اليمن، من تشييد الطرق والبنى التحتية والمصانع، إلى تدريب وتأهيل الكوادر اليمنية.

لكن حين أقارن ذلك بما يحدث اليوم في الجزائر، يعود السؤال إلى الواجهة: ماذا فعلنا نحن بهذه العلاقة الطويلة؟ وماذا يمكن أن نفعل في السنوات القادمة؟

والإجابة نجدها في واقعنا اليوم؛ حروب وصراعات سياسية وأزمات اقتصادية وأمنية متواصلة، حالت دون أن يستفيد اليمن كما ينبغي من إمكاناته وموقعه وعلاقاته الدولية، وأبعدته سنوات طويلة عن مسار التنمية والاستقرار.

ما الذي لفتني في التجربة الجزائرية؟

ما شد انتباهي في التجربة الجزائرية ليس فقط حجم التعاون مع الصين، وإنما الطريقة التي تنظر بها القيادة الجزائرية إلى هذه العلاقة.

الرئيس عبد المجيد تبون تحدث عن الثقة التي تجمع الجزائر بالصين، وعن تعامل البلدين على أساس الاحترام والندية، وأشار إلى أن هذه الصداقة ظلت ثابتة حتى في أوقات الشدة.

وهنا تكمن نقطة مهمة بالنسبة لي: الحديث عن الصداقة شيء، وتحويلها إلى شراكة عملية شيء آخر.

في الجزائر، لم تبقِ العلاقة مع الصين في إطار الذكريات والمواقف السياسية، بل امتدت إلى مجالات متعددة، من الصناعة والاستثمار والتعليم والتكوين، إلى السكك الحديدية والمناجم وعلوم الفضاء والصناعة الصيدلانية.

وخلال زيارة الرئيس تبون إلى الصين في يوليو 2023، جرى توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي عكست رغبة البلدين في توسيع مجالات التعاون.

المسألة، في تقديري، ليست في عدد الاتفاقيات بقدر ما هي في وجود إرادة للاستفادة من علاقة تاريخية وتحويلها إلى فرص جديدة.

وهذا ما جعلني أعود إلى بلادي اليمن.

فنحن أيضاً لدينا سبعون عاماً من العلاقات مع الصين، ولدينا تاريخ طويل من التعاون، ولدينا الكثير من الذكريات والمحطات المشتركة.

لكن ماذا ينقصنا حتى ننتقل من استحضار هذا التاريخ إلى البناء عليه؟

اليمن.. الموقع الذي لم يستثمر كما ينبغي

كلما فكرت في مستقبل اليمن، أعود إلى الجغرافيا.

اليمن يطل على البحر الأحمر وباب المندب، وفي قلب هذا الموقع يأتي ميناء عدن، بما يحمله من أهمية تاريخية وتجارية، إلى جانب فرص كبيرة في الطاقة الشمسية، وثروة بشرية شابة يمكن أن تكون واحدة من أهم أدوات المستقبل إذا وجدت التعليم والتدريب والفرص.

وأنا من ساكنين مدينة عدن، يصعب عليّ أن أتحدث عن هذه الإمكانات وكأنها مجرد أرقام على الورق. عدن بالنسبة لي ليست فقط ميناءً على خريطة، بل مدينة عرفت منذ زمن بعيد معنى أن تكون بوابة للتجارة والتواصل بين الشعوب.

ولهذا، عندما أقرأ عن مشاريع الموانئ والنقل والطاقة في دول أخرى، أتساءل عن إمكانية أن تستعيد عدن جزءاً من دورها، وأن يتحول موقعها إلى عنصر في بناء شراكات اقتصادية حقيقية.

قد يبدو السؤال كبيراً، لكنه طبيعي أمام بلد يمتلك كل هذه المقومات.

واليمن، بما يملكه من موقع وثروة بشرية وإمكانات طبيعية، لا ينبغي أن يبقى بعيداً عن الاستفادة الكاملة منها.

الإجابة ليست بسيطة، لكن جزءاً منها واضح أمامنا؛ سنوات من الحرب والصراع والأزمات جعلت الأولويات تنحصر في البقاء وإدارة الأزمات، بينما تراجعت قضايا التنمية والاستثمار وبناء المستقبل إلى الخلف.

ومع ذلك، لا أعتقد أن هذا يجب أن يكون قدَر اليمن إلى الأبد.

عدن.. من الذاكرة إلى الفرصة

ومن عدن تحديداً، أجد صعوبة في الحديث عن مستقبل العلاقة اليمنية الصينية من دون الحديث عن الميناء والطاقة والبنية التحتية.

فأنا أنظر إلى عدن باعتبارها أكثر من موقع جغرافي؛ هي جزء من ذاكرة اليمن الاقتصادية والتجارية، ومن الطبيعي أن يكون لها مكان في أي تفكير جاد في مستقبل الشراكة مع الصين.

وإذا كنا نتحدث عن «الحزام والطريق»، وعن الممرات البحرية والتجارة الدولية، فمن الطبيعي أن نسأل عن المكان الذي يمكن أن يحتله اليمن، وعن الدور الذي يمكن أن تؤديه عدن في هذا المستقبل.

ربما لا نملك اليوم كل الإجابات، لكننا نملك ما يكفي من المقومات لطرح الأسئلة الصحيحة.

من أرشيف الماضي إلى استحقاق المستقبل

لهذا السبب، أرى أن الذكرى السبعين للعلاقات اليمنية الصينية تستحق منا أكثر من الاحتفال.

تستحق أن نتوقف قليلاً، وأن نسأل بصدق: ماذا نريد من هذه العلاقة خلال السنوات المقبلة؟

لا أريد أن نكتفي بالحديث عما قدمته الصين لليمن في الماضي، رغم أهمية ذلك التاريخ وما يحمله من تقدير وامتنان.

ما يشغلني أكثر هو ما يمكن أن نبنيه معاً في المستقبل.

طاقة متجددة، موانئ أكثر كفاءة، بنية تحتية، تدريب وتأهيل للشباب، نقل للتكنولوجيا والمعرفة، واستثمارات تستفيد من موقع اليمن على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وأنا لا أقول إن علينا أن ننسخ التجربة الجزائرية، فلكل بلد ظروفه وتحدياته. لكن التجربة الجزائرية تطرح فكرة تستحق التأمل: العلاقات التاريخية لا ينبغي أن تبقى في كتب التاريخ، بل يمكن أن تتحول إلى شراكات جديدة إذا وجدت الرؤية والإرادة.

وهذا ما أتمناه لليمن.

أن ننظر إلى سبعين عاماً من الصداقة مع الصين ليس باعتبارها صفحة من الماضي، وإنما رصيداً يمكن البناء عليه.

فسبعون عاماً من العلاقات اليمنية الصينية تستحق، في رأيي، أن تكون بداية جديدة لمرحلة مختلفة؛ مرحلة ننتقل فيها من استعادة ما كان إلى التفكير فيما يمكن أن يكون .

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.