مقالات

في عيدها الوطني.. الصين أمام اختبار صناعة الاستقرار في الشرق الأوسط

S
Saiid Toghly
visibility 92
في عيدها الوطني.. الصين أمام اختبار صناعة الاستقرار في الشرق الأوسط

الدكتور : ليث عبد الله القهيوي


في الأول من أكتوبر، تحتفل الصين بذكرى تأسيس جمهورية الصين الشعبية. لكن قراءة هذه المناسبة في عام 2026 لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الاحتفال بسبعة وسبعين عامًا من التحول الصيني، بل تستدعي سؤالًا أكبر: ماذا تستطيع دولة بحجم الصين أن تقدم لعالم تتزايد فيه مساحات الاضطراب، ولشرق أوسط يبحث منذ عقود عن معادلة لم يجدها بعد بين الأمن والتنمية والسلام؟

السؤال مهم لأن الصين نفسها لم تعد الدولة التي كان العالم ينظر إليها قبل عقود باعتبارها تجربة تنموية صاعدة. إنها اليوم قوة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية كبرى، وأصبحت مصالحها ممتدة عبر القارات والأسواق والممرات البحرية ومصادر الطاقة وسلاسل الإمداد.

وفي خطاب الاحتفال بالذكرى السابعة والسبعين لتأسيس الجمهورية، تحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ عن مسيرة بلاده وعن التحديث الصيني، مؤكدًا في الوقت نفسه استمرار الصين في سياستها الخارجية المستقلة للسلام وسعيها إلى تقديم مزيد من اليقين والطاقة الإيجابية لعالم مضطرب.

وهنا تحديدًا تكتسب المناسبة معنى يتجاوز الصين.

فالعالم الذي تحتفل فيه بكين بعيدها الوطني اليوم ليس عالمًا مستقرًا.

وفي الشرق الأوسط بصورة خاصة، لم تعد الأزمات منفصلة عن بعضها. القضية الفلسطينية ما زالت مفتوحة على معاناة سياسية وإنسانية عميقة، والتوتر في الخليج يضغط على أمن المنطقة والطاقة والملاحة، ومضيق هرمز عاد إلى قلب الحسابات الدولية، فيما تتزايد المخاطر المرتبطة باليمن والبحر الأحمر وباب المندب. وفي الرابع من أكتوبر، ظل الخلاف بشأن إعادة فتح مضيق هرمز قائمًا، بينما شهد اليمن تصعيدًا جديدًا، بما يؤكد أن أمن المنطقة بات شبكة مترابطة من الأزمات لا مجموعة ملفات منفصلة.

ولهذا فإن السؤال الذي يواجه القوى الكبرى لم يعد فقط: كيف تحمي مصالحها في الشرق الأوسط؟

بل: ماذا تستطيع أن تفعل لمنع الشرق الأوسط من البقاء أسيرًا لدورات متتالية من الحرب والأزمة وإعادة الإعمار؟

ومن هنا يمكن النظر إلى الدور الصيني من زاوية مختلفة.

فالشرق الأوسط عرف خلال عقود طويلة نماذج متعددة للحضور الدولي؛ حضورًا عسكريًا، وتحالفات أمنية، وتدخلات سياسية، ومبادرات سلام، وضغوطًا وعقوبات وتسويات مؤقتة. لكن المنطقة ما زالت تبحث عن نموذج قادر على الجمع بين الأمن والتنمية والسيادة والمصالح المتبادلة.

والصين تمتلك فرصة لأن تقدم إضافة مختلفة، ليس لأنها تستطيع أن تحل محل قوة دولية أخرى، ولا لأن المنطقة تحتاج إلى استبدال محور بمحور، وإنما لأن التجربة الصينية نفسها قامت على فكرة تستحق التأمل: أن الاستقرار الحقيقي لا ينفصل عن التنمية.

هذه الفكرة شديدة الأهمية للشرق الأوسط.

فالمنطقة لا تعاني فقط من نزاعات سياسية وأمنية؛ إنها تواجه أيضًا تحديات المياه والطاقة والغذاء والبطالة والتحول التكنولوجي وتغير المناخ والنمو السكاني ومستقبل الشباب.

وإذا استمرت معالجة الأمن بمعزل عن هذه الملفات، فإن المنطقة قد تنجح في إيقاف حرب، لكنها لن تمنع ظهور أزمة جديدة.

هنا يمكن للصين أن تضيف شيئًا مختلفًا إلى معادلة الشرق الأوسط: أن تساعد على توسيع مفهوم السلام نفسه.

فالسلام ليس مجرد غياب القتال.

السلام القابل للاستمرار يحتاج إلى اقتصاد يوفر الفرص، وبنية تحتية تربط المجتمعات، ومياه وطاقة يمكن الاعتماد عليهما، وتعليم يمنح الشباب مستقبلًا، وتكنولوجيا ترفع الإنتاجية، ومؤسسات تستطيع إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى أزمة.

وبهذا المعنى، فإن التنمية يمكن أن تصبح إحدى أدوات الوقاية من الصراع، لا مجرد نتيجة تأتي بعد انتهائه.

وهذه، في تقديري، مساحة استراتيجية تستطيع الصين أن تتحرك فيها بفاعلية أكبر.

لكن ذلك لا يعني أن الاقتصاد يستطيع وحده معالجة السياسة.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مشاريع تنموية فقط، كما لا يحتاج إلى إدارة نتائج الصراعات دون معالجة أسبابها. القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، تظل قضية سياسية وحقوقية في جوهرها، ولا يمكن لأي تصور للاستقرار الإقليمي أن يكون مستدامًا إذا بقي حلها مؤجلًا.

واللافت أن الصين واصلت خلال الأشهر الأخيرة التأكيد على هذا الموقف؛ فقد دعت في مجلس الأمن إلى وقف العنف والحفاظ على فرص حل الدولتين، وأكدت أن القضية الفلسطينية تظل في قلب قضايا الشرق الأوسط. كما أكد الرئيس شي جين بينغ، خلال لقائه جلالة الملك عبدالله الثاني في أغسطس 2026، ضرورة الحل السياسي والتمسك بحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة.

وفي الخليج أيضًا، تبدو أمام الصين مساحة أخرى لاختبار هذا الدور.

فاستقرار الخليج ليس شأنًا إقليميًا فقط. إنه مرتبط بأمن الطاقة والتجارة الدولية والممرات البحرية والاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي اضطراب طويل في الخليج أو مضيق هرمز لا يبقى داخل حدود المنطقة.

وفي سبتمبر، دعت الصين إيران والولايات المتحدة إلى العودة إلى الحوار، وشجعت الحوار بين إيران ودول الخليج، وحذرت من امتداد التوتر نحو اليمن والبحر الأحمر، كما تحدثت عن الحاجة إلى تطوير بنية أمنية أكثر فاعلية في الشرق الأوسط.

وهنا تظهر فرصة ربما تكون أكبر من الوساطة في أزمة منفردة.

هل يستطيع الشرق الأوسط الانتقال من أمن يقوم على توازن الخوف إلى أمن يقوم على توازن المصالح؟

هذه واحدة من أهم الأسئلة التي ستواجه المنطقة في السنوات المقبلة.

فتاريخ الشرق الأوسط أثبت أن التفوق العسكري قد يردع خصمًا لبعض الوقت، لكنه لا يبني بالضرورة نظامًا إقليميًا مستقرًا. كما أثبت أن إضعاف طرف لا يعني تلقائيًا تقوية النظام الإقليمي بأكمله.

الأمن المستدام يحتاج إلى قواعد يتفق عليها الجميع: احترام السيادة، وعدم التدخل، وحماية الممرات الدولية، ومنع انتشار الصراعات، وتسوية النزاعات سياسيًا، وخلق مصالح اقتصادية تجعل تكلفة الحرب أعلى من مكاسبها.

وهنا تستطيع الصين، إذا أرادت توسيع دورها، أن تجمع بين أدوات لا تجتمع دائمًا لدى القوى الدولية: علاقات واسعة مع دول عربية، وعلاقات مع إيران، ومصالح اقتصادية كبيرة في المنطقة، وموقع دولي مؤثر، وعضوية دائمة في مجلس الأمن، وخبرة تنموية يمكن تحويل أجزاء منها إلى شراكات عملية.

لكن حجم هذه الفرصة يساوي حجم المسؤولية.

فكلما اتسع حضور الصين الدولي، أصبح العالم ينتظر منها أكثر من إعلان المبادئ.

القوة الكبرى لا تُقاس فقط بما تستطيع بناءه داخل حدودها، بل بما تستطيع أن تضيفه إلى استقرار البيئة الدولية المحيطة بها.

وهذه ربما تكون إحدى أهم مراحل تطور الدور الصيني في العالم: الانتقال من دولة تستفيد من الاستقرار الدولي إلى دولة تسهم بصورة أكبر في إنتاجه.

وبالنسبة إلى الدول العربية، لا ينبغي النظر إلى هذا التحول بمنطق انتظار ما ستفعله الصين.

المسؤولية عربية أيضًا.

فالمنطقة تحتاج إلى صياغة رؤيتها الخاصة لعلاقاتها مع بكين، وتحديد ما تريده منها في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية والأمن الإقليمي، بدل الاكتفاء بعلاقات ثنائية متفرقة أو مشاريع منفصلة.

 


والأردن يستطيع أن يكون حاضرًا في هذه الرؤية.

فموقعه السياسي، وعلاقاته الدولية المتوازنة، ودوره في الدفاع عن الحل السياسي للقضية الفلسطينية، واستقراره المؤسسي، تمنحه مساحة ليكون جزءًا من أي حوار جاد يبحث في مستقبل الأمن والتنمية في المنطقة.

وقد أظهر لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس شي جين بينغ في أغسطس الماضي وجود مساحة مشتركة واضحة بشأن الحل السياسي واحترام سيادة دول المنطقة وأمنها.

لكن القيمة الأكبر ستكون في الانتقال من التوافق على المبادئ إلى بناء المبادرات.

مبادرات تربط السلام بالتنمية، والأمن الإقليمي بالأمن الاقتصادي، وإعادة الإعمار ببناء القدرات، والطاقة بالمياه، والاستثمار بالتكنولوجيا، ومستقبل المنطقة بمستقبل شبابها.

وفي عيدها الوطني السابع والسبعين، تستطيع الصين أن تنظر بفخر إلى المسافة الهائلة التي قطعتها منذ عام 1949.

لكن الدول الكبرى لا تعيش على ما أنجزته فقط؛ بل على السؤال الذي تطرحه على نفسها بعد الإنجاز:

ماذا سنفعل بما أصبحنا نملكه من قدرة؟

وهذا السؤال هو الذي يجعل العيد الوطني الصيني هذا العام مناسبة تتجاوز حدود الصين.

ففي منطقة تتعبها الحروب، لم يعد المطلوب مزيدًا من إدارة الأزمات، وإنما شجاعة الانتقال إلى صناعة الاستقرار.

وفي عالم تتراجع فيه الثقة بقدرة النظام الدولي على منع النزاعات، قد تكون القيمة الحقيقية للقوة في المرحلة المقبلة ليست في القدرة على الانتصار في الصراع، بل في القدرة على جعل الصراع أقل ضرورة.

وإذا استطاعت الصين أن تترجم ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها الواسعة ورؤيتها التنموية إلى مساهمة أكثر عمقًا في بناء هذه المعادلة، فإنها لن تكون فقط شريكًا اقتصاديًا مهمًا للشرق الأوسط.

ستصبح شريكًا في إعادة تعريف معنى الاستقرار نفسه.

وعندها سيكون السؤال الذي يطرحه الشرق الأوسط على الصين مختلفًا:

ليس كم تستطيع الصين أن تستثمر في المنطقة؟

بل كم تستطيع الصين والمنطقة معًا أن تستثمرا في منع الحرب، وبناء السلام، وصناعة مستقبل لا تكون فيه الأزمات هي القاعدة والاستقرار هو الاستثناء؟


التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.