مقالات

فلسطين التي لا تملك بدائل

S
Saiid Toghly
visibility 307
فلسطين التي لا تملك بدائل



بقلم: المهندس غسان جابر

الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين - رئيس فرع فلسطين. 


الاحتلال لا يحتاج إلى إغلاق كل أبواب فلسطين. يكفي أن يغلق باباً واحداً كل مرة، إذا كنا نحن لا نعرف كيف نفتح الباب التالي.


هذه ليست جملة بلاغية.


هذه هي المشكلة.


في الخامس والعشرين من آب/أغسطس، دخلت القوات الإسرائيلية مركز تدريب قلنديا التابع للأونروا، وسيطرت عليه ورفعت علمها فوقه.


أعرف ماذا فعل الاحتلال.


وأعرف لماذا فعل.


وأعرف أن ما جرى جريمة جديدة في سجل طويل من الاستيلاء والهدم والإغلاق ومحاولة اقتلاع كل ما له علاقة بالحياة الفلسطينية في القدس ومخيماتها.


لكنني، هذه المرة، لا أريد أن أكتب عن الاحتلال.


أريد أن أكتب عنا.


عن الـ340 شاباً الذين فقدوا مقاعدهم.


عن المؤسسات التي فقدت قدرتها على الرد بالفعل.


وعن السؤال الذي لا أجد له جواباً:


عندما أغلق الاحتلال الباب، أين كان الباب البديل؟


مركز قلنديا ليس مجرد مبنى.


إنه مؤسسة عمرها أكثر من سبعين عاماً، كانت تستقبل نحو 340 شاباً سنوياً، وتقدم لهم التدريب في 16 تخصصاً مهنياً، من الكهروميكانيك وميكاترونيات السيارات إلى النجارة والبناء والاتصالات والتصميم الداخلي.


والأهم أن نحو 90% من خريجيه كانوا يجدون عملاً.


تسعة من كل عشرة.


في بلد نتحدث فيه منذ سنوات عن البطالة، وعن أزمة المهارات، وعن ضرورة ربط التعليم بسوق العمل، كان هناك مركز ينجح في ذلك فعلاً.


ثم أُغلق.


فماذا فعلنا؟


ليس ماذا قلنا.


ماذا فعلنا؟


هل عقدت وزارة العمل اجتماعاً طارئاً؟


هل أحصت أسماء الـ340؟


هل عرفت تخصصاتهم وسنوات دراستهم؟


هل مسحت مراكز التدريب في الضفة لتعرف كم مقعداً يمكن أن تستوعب؟


هل وُزّع هؤلاء الشباب على مراكز أخرى؟


هل اعترف لهم بما أنجزوه حتى لا يبدأوا من الصفر؟


هل وفرت لهم المواصلات؟


هل طُلب من الشركات أن تفتح لهم أبواب التلمذة المهنية؟


هل تحرك صندوق التشغيل؟


هل تحركت الغرف التجارية والصناعية والزراعية؟


هل اجتمعت النقابات التي يفترض أن تمثل عمال المستقبل؟


هل تحرك المانحون لإعادة توجيه جزء من الأموال القائمة أصلاً في برامج التدريب والتشغيل؟


أين الخطة؟


أين الأرقام؟


أين القرار؟


أين الـ340 مقعداً البديلة؟


لا أطلب من السلطة الفلسطينية أن تعيد فتح قلنديا.


وأعرف جيداً أن القدس ليست مدينة تستطيع مؤسسات السلطة أن تعمل فيها بحرية.


ولا أطلب منها أن تفعل ما لا تستطيع.


أطلب منها ما تستطيع.


أن تمنع الاحتلال من تحويل إغلاق مركز إلى إغلاق مستقبل.


هذا ممكن.


بل يجب أن يكون بديهياً.


إذا كان لدينا 340 شاباً فقدوا مركزهم، فنحن لا نحتاج إلى مؤتمر دولي.


نحتاج إلى 340 مقعداً في مكان آخر.


قد تكون في رام الله.


أو البيرة.


أو بيت لحم.


أو الخليل.


أو نابلس.


أو جنين.


المكان ليس هو القضية.


المقعد هو القضية.


والقرار هو القضية.


وهنا أعتقد أن المشكلة الحقيقية تبدأ.


نحن لا نعاني فقط من الاحتلال.


نحن نعاني أيضاً من غياب ثقافة البدائل.


تعلمنا أن نحتج على الهدم، لكننا لم نتعلم بما يكفي كيف نعيد إنتاج الوظيفة التي هُدمت.


نحتج عندما تُغلق المدرسة، لكن لا تكون لدينا مدرسة بديلة جاهزة.


نحتج عندما يُغلق مركز التدريب، ثم نبدأ البحث عن حل بعد الإغلاق.


نستنكر مصادرة الأرض، ثم ننتظر لنرى ماذا سيحدث.


نكتب عن الحصار، لكننا لا نبني دائماً اقتصاداً قادراً على الصمود أمامه.


نحن بارعون في وصف المشكلة، وأقل براعة في صناعة البديل.


وهذا ليس عيباً إدارياً.


إنه سؤال سياسي.


الاحتلال سريع.


يصدر القرار.


يدخل.


يقتحم.


يهدم.


يغلق.


يصادر.


أما نحن فنحتاج إلى اجتماع.


ثم لجنة.


ثم تنسيق.


ثم مخاطبة.


ثم رد.


ثم اجتماع آخر.


ثم بيان.


ثم ربما استراتيجية.


ثم نكتشف أن الشاب الذي كان ينتظر مقعده قد ذهب يبحث عن أي عمل.


هذه ليست بيروقراطية فقط.


هذه فجوة زمنية بين سرعة الاحتلال وبطء الدولة.


والفلسطيني هو من يدفع ثمنها.


والقصة لا تبدأ بقلنديا.


قبل ذلك أُغلقت مدارس للأونروا داخل حدود بلدية القدس، وفقد أكثر من 1800 طالب وطالبة مؤسسات تعليمية كانوا يعتمدون عليها.


وفي مخيم شعفاط، عندما غابت المدرسة، تحرك المجتمع المحلي.


وجد عقاراً.


فاوض.


استنفر مؤسسات المجتمع المدني.


وطلب من وزارة التربية توفير الكادر.


فوجدوا حلاً.


ليس مثالياً.


لكنه حل.


وهنا المفارقة:


المخيم، بإمكاناته المحدودة، فهم معنى البديل أسرع من بعض مؤسساتنا التي تملك الوزارات والصناديق والاستراتيجيات والموظفين.


لا أقول ذلك لإدانة المخيم أو الحكومة.


أقوله لأن علينا أن نسأل أنفسنا:


لماذا عندما تغيب المؤسسة يتحرك الناس، وعندما توجد المؤسسة ننتظر أحياناً أن تتحرك؟


لقد آن الأوان أن نعيد تعريف الصمود.


الصمود ليس أن نبقى أمام الباب المغلق ونصرخ.


الصمود أن نفتح باباً آخر.


المقاومة ليست فقط أن تمنع الاحتلال من تحقيق هدفه المباشر.


المقاومة أيضاً أن تمنعه من تحقيق نتائج فعله.


إذا أغلق مدرسة، لا تسمح له بإخراج الطفل من التعليم.


إذا أغلق مركزاً، لا تسمح له بإخراج الشاب من التدريب.


إذا هدم مؤسسة، لا تسمح له بإلغاء الخدمة التي كانت تقدمها.


إذا حاصر اقتصاداً، لا تسمح له بقتل القدرة على الإنتاج.


الاحتلال يهدم المبنى؛ نحن مطالبون بحماية الوظيفة.


هذه هي الدولة التي نحتاج إليها.


دولة البدائل.


الدولة لا تبدأ عندما يصبح لدينا علم وجواز سفر ومقعد في الأمم المتحدة.


هذه رموز مهمة، لكنها ليست الدولة كلها.


الدولة تبدأ عندما يعرف المواطن أنه إذا أغلق الاحتلال مدرسته، فلن يُغلق مستقبله.


وإذا أغلق مركز عمله، فلن تُغلق مهنته.


وإذا دمر مؤسسة، فستظهر مؤسسة أخرى تحمل وظيفتها.


الدولة هي القدرة على حماية الإنسان من نتائج غياب السيادة.


ولهذا فإن الاحتلال ليس عذراً لعدم امتلاك البدائل.


الاحتلال هو السبب الذي يجعل امتلاك البدائل ضرورة.


لذلك لا أريد لجنة جديدة لقلنديا.


لدينا ما يكفي من اللجان.


ولا أريد استراتيجية جديدة.


لدينا استراتيجيات أكثر مما لدينا من نتائج.


أريد شيئاً بسيطاً:


قائمة بأسماء الـ340.


تخصصاتهم.


أماكن انتقالهم.


مواعيد بدء تدريبهم.


المراكز التي ستستوعبهم.


الشركات التي ستوفر لهم التلمذة.


والعدد الذي بقي خارج التدريب.


ثم تقرير شهري.


لا خطب.


لا مؤتمرات.


لا عبارات منمقة.


أرقام.


لأن الرقم لا يستطيع أن يختبئ خلف الدبلوماسية.


وأنا أعرف لغة الدبلوماسية جيداً.


وأعرف كيف نصوغ البيانات بحيث ندين ونستنكر ونحذر ونطالب ونحمّل ونناشد، دون أن نزعج أحداً.


لكنني أعرف أيضاً أن البيانات لا تصنع دولة.


القرار يصنع دولة.


والتنفيذ يصنع دولة.


والبديل يصنع دولة.


غداً قد يغلق الاحتلال مدرسة أخرى.


وقد يهدم مركزاً آخر.


وقد يصادر مؤسسة أخرى.


وسنرى المشهد نفسه:


غضب.


بيان.


مؤتمر صحفي.


مناشدة.


إدانة.


ثم انتظار.


لكنني لا أريد أن ننتظر المرة القادمة.


أريد أن نتعلم من قلنديا الآن.


أن نبني لكل مؤسسة معرضة للإغلاق مؤسسة بديلة.


ولكل خدمة مهددة بالإلغاء مساراً بديلاً.


ولكل طالب مدرسة بديلة.


ولكل متدرب مقعداً بديلاً.


ولكل عامل فرصة بديلة.


أريد فلسطين التي لا يستطيع الاحتلال أن يشلها بمجرد إغلاق باب.


لأن الاحتلال قد يستطيع إغلاق مركز قلنديا.


لكنه لا يجب أن يستطيع إغلاق مستقبل 340 شاباً.


وهنا أقولها بصراحة، ومن دون دبلوماسية:


إذا كان الاحتلال يستطيع أن يتخذ قراراً في يوم واحد، ونحن نحتاج إلى سنة كي نكتشف كيف نواجه نتائجه، فهذه ليست فقط مشكلة احتلال.


إنها مشكلة في طريقة إدارتنا للصراع.


وإذا كان كل باب يغلقه الاحتلال يحتاج إلى بيان، وكل مدرسة تحتاج إلى مناشدة، وكل أزمة تحتاج إلى لجنة، وكل حل يحتاج إلى مؤتمر، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق:


هل نحن نبني دولة، أم نبني جهازاً بيروقراطياً ينتظر الدولة؟


السؤال قاسٍ.


لكن المرحلة لم تعد تحتمل الأسئلة الناعمة.


ثلاثمئة وأربعون شاباً ينتظرون.


لا يريدون منا أن نحرر لهم قلنديا.


يريدون أن نحرر لهم حقهم في المستقبل.


افتحوا لهم 340 مقعداً.


وعندها فقط نستطيع أن نقول إن الاحتلال أغلق باباً وفشل.


أما إذا بقيت المقاعد فارغة، وبقي الشباب ينتظرون، وبقيت المؤسسات تتبادل المسؤولية، ثم اكتفينا بإدانة الاحتلال...


فعلينا أن نكون شجعاناً بما يكفي لنقول الحقيقة كاملة:


الاحتلال أغلق الباب بالقوة.


لكننا تركنا الفراغ يكبر.


وهذه مسؤوليتنا.


لأن الاحتلال يستطيع أن يهدم حجراً.


ويستطيع أن يغلق مدرسة.


ويستطيع أن يصادر مركزاً.


لكنه لا يستطيع وحده أن يهزم البديل.


نحن من يهزمه إذا صنعناه.


ونحن من يتركه ينتصر إذا لم نصنعه.


لذلك، لا أريد غداً بياناً يقول إن الاحتلال أغلق قلنديا.


أريد أن أرى 340 شاباً على مقاعد جديدة.


وعندها فقط سيكون لدينا جواب.


أما قبل ذلك، فليكن السؤال معلقاً فوق مكاتبنا جميعاً:


ماذا فعلنا عندما أغلق الاحتلال الباب؟


لأن فلسطين التي لا تملك بديلاً لكل باب يُغلق، ستظل تنتظر من الاحتلال أن يقرر لها كيف تعيش.


وفلسطين لا تتحرر عندما نفتتح احتفالاً بالدولة.


فلسطين تبدأ في التحرر عندما يصبح إغلاق الاحتلال لبابٍ ما... غير قادر على إغلاق مستقبل إنسان واحد.


م. غسان جابر

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.