بقلم /نجيب الكمالي
رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
منذ بدأت أكتب عن الصين، وجدت نفسي أعود إلى اليمن في كل مرة.
أقرأ عن مشروع صيني جديد، أو عن طريق يمتد بين بلدين، أو عن ميناء يدخل في حسابات الحزام والطريق، فأبحث بعيني عن عدن. وأحيانًا أسأل نفسي ببساطة: أين نحن من كل هذا؟
ربما لأنني أكتب من عدن، وأعرف ماذا يعني أن يكون اليمن واقفًا عند باب المندب، في واحدة من أهم نقاط حركة التجارة والملاحة الدولية. وربما لأن عدن، بمينائها وتاريخها وموقعها، تبدو في مخيلتي كأنها مكان كان يفترض أن يكون حاضرًا بقوة في هذه الحكاية.
سبعون عامًا من العلاقات اليمنية الصينية مرّت، لكن اليمن عاش خلال السنوات الأخيرة حروبًا وانقسامات وصراعات جعلت كثيرًا من الفرص تتراجع أو تتأجل.
وحين أتأمل هذه الصورة، لا أتوقف فقط عند الميناء.
أتوقف عند الإنسان.
وأقول لنفسي: إذا كان الطريق الاقتصادي قد تعثر، فهل يمكن أن نفتح طريقًا آخر؟
طريقًا يبدأ من الجامعة.
ربما يعود طريق الحرير إلى اليمن هذه المرة من قاعة محاضرة، لا من رصيف ميناء. من طالب يذهب إلى الصين، أو أستاذ يتبادل الخبرة، أو باحث يجد شريكًا لمشروع علمي.
هذه الفكرة تبدو لي قريبة من تجربتي في الكتابة عن الصين. فكلما تعمقت أكثر في قراءة تجربتها، اكتشفت أن ما وراء الموانئ والمصانع والقطارات والتكنولوجيا هو الإنسان الذي تعلم، وتخصص، وبحث، ثم أصبح قادرًا على تشغيل كل هذه الأشياء وصناعة ما هو أكبر منها.
ولهذا لفتتني الخطوات الجارية لإعادة تنشيط التعاون الأكاديمي اليمني الصيني، ومنها مذكرة التفاهم التي وُقعت في بكين بين الملحقية الثقافية اليمنية وإحدى الجامعات الصينية، لإعادة تفعيل التعاون الذي توقف منذ عام 2017، وفتح مجالات للبحث العلمي والتبادل الأكاديمي وبرامج الدراسات العليا، إلى جانب فرص دراسية للطلاب والباحثين اليمنيين.
لم أتوقف كثيرًا عند صورة التوقيع.
ما شدني هو ما يمكن أن يأتي بعدها.
ماذا لو تحولت المذكرة إلى منحة لطالب يمني؟ ماذا لو وجد باحث فرصة للعمل مع فريق صيني؟ ماذا لو عاد أستاذ من الصين بخبرة نقلها إلى طلابه؟
هنا، بالنسبة لي، تبدأ القصة الحقيقية.
فأنا لا أعتقد أن العلاقات بين الدول تُبنى كلها عبر الاتفاقيات الكبرى والمشروعات الضخمة. أحيانًا تبدأ العلاقة من مكان أصغر بكثير: طالب، أستاذ، باحث، أو جامعة تفتح نافذة على جامعة أخرى.
واليمن اليوم يحتاج إلى هذه النوافذ.
يحتاج طلابه إلى فرص، ويحتاج باحثوه إلى التواصل، وتحتاج جامعاته إلى أن تستعيد شيئًا من حضورها الأكاديمي الذي أضعفته سنوات الحرب.
ومن هنا أتوقف عند جامعة تعز، والاهتمام الذي يوليه الأستاذ الدكتور محمد سعيد الشعيبي، رئيس جامعة تعز، بالتعاون الأكاديمي مع المؤسسات الصينية، ومتابعة الفرص التي يمكن أن يستفيد منها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والباحثون.
ما يعنيني في هذا الأمر ليس الاحتفاء بمذكرة أخرى، وإنما السؤال الأصعب: هل تستطيع الجامعة أن تجعل من هذه العلاقات عملًا يوميًا له أثر؟
طالب يتدرب.
باحث يبدأ مشروعًا.
أستاذ يتبادل الخبرة.
كلية تفتح تعاونًا مستمرًا مع نظيرتها الصينية.
هذه، في نظري، هي الصور التي تستحق أن نبحث عنها بعد انتهاء صور التوقيع.
وربما لهذا أجد تعبير «طريق الحرير الأكاديمي» أكثر من مجرد عنوان.
الحزام والطريق يربط الموانئ والمدن والأسواق، لكن هناك طريقًا آخر يمكن أن يربط العقول.
طريق يبدأ هادئًا، وربما لا يظهر كثيرًا في الأخبار، لكنه قد يصنع شيئًا أبقى من الخبر نفسه.
فالميناء يحتاج إلى مهندس، والمصنع يحتاج إلى متخصص، ومشروع الطاقة يحتاج إلى خبرة، وكل مشروع تنموي يحتاج في النهاية إلى إنسان يعرف كيف يديره ويطوره.
لهذا لا أريد أن تتوقف حكاية التعاون الأكاديمي عند مذكرة تفاهم.
أريد أن نعود إليها بعد عام ونجد طالبًا استفاد، وباحثًا بدأ، وأستاذ تعلم، وبرنامجًا انطلق.
عندها فقط سأشعر أن الصين لم تمر من جوار اليمن.
وأن طريق الحرير، ولو من باب الجامعة هذه المرة، قد وجد طريقه إلينا.

التعليقات (1)
الف الف مبروك انت فخر