مقالات

شي في القاهرة… عندما يبدأ الشرق الأوسط بكتابة قواعده الجديدة

S
Saiid Toghly
visibility 37
شي في القاهرة… عندما يبدأ الشرق الأوسط بكتابة قواعده الجديدة



بقلم: المهندس غسان جابر

الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين - رئيس فرع فلسطين. 


ليس أخطر ما قاله الرئيس الصيني شي جين بينغ في القاهرة أن الشرق الأوسط يحتاج إلى هيكل أمني جديد.


الأخطر هو توقيت القول.


فحين يصل رئيس قوة كبرى إلى القاهرة، في لحظة تعيش فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، ثم يتحدث عن أن يكون أهل المنطقة أصحاب القرار في شؤونهم، وعن رفض التدخل الخارجي، وعن بناء هيكل أمني جديد، فالأمر يتجاوز حدود العلاقات المصرية الصينية.


هناك شيء يتغير في الشرق الأوسط.


والسؤال ليس: هل جاءت الصين لتحل محل أميركا؟


هذا سؤال صغير على حدث كبير.


السؤال الحقيقي هو:


من سيكتب قواعد الشرق الأوسط عندما تنتهي قواعد الشرق الأوسط القديم؟


هذه هي القصة.


الصين لا تصل إلى القاهرة من فراغ


لم تكن زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة زيارة بروتوكولية.


الصين ومصر تحتفلان بسبعين عامًا من العلاقات، لكن العالم الذي بدأت فيه هذه العلاقة عام 1956 ليس العالم الذي نعيش فيه اليوم.


الصين نفسها لم تعد الصين التي عرفها الشرق الأوسط قبل عقود.


ومصر ليست مصر التي كانت تتعامل مع نظام دولي أكثر وضوحًا في موازين القوة.


والشرق الأوسط نفسه لم يعد المنطقة التي يمكن اختزالها في معادلة واحدة أو تحالف واحد.


اليوم هناك اقتصاد عالمي يعاد تشكيله، وسلاسل إمداد تتغير، وممرات بحرية أصبحت جزءًا من الحسابات الأمنية، وتكنولوجيا أصبحت عنصرًا من عناصر القوة، وقوى دولية وإقليمية تبحث عن مواقعها في النظام القادم.


ولهذا جاءت الصين إلى القاهرة.


ليس فقط لتبيع وتشتري وتستثمر، بل لتكون موجودة عندما يبدأ العالم في إعادة ترتيب أوراق المنطقة.


وهنا تصبح مصر مهمة بصورة استثنائية.


فهي ليست فقط دولة عربية كبيرة.


إنها موقع جغرافي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وقناة السويس واحدة من أهم شرايين التجارة العالمية، والمنطقة الاقتصادية للقناة أصبحت مجالًا مهمًا للاستثمارات والتصنيع الصيني. كما أن القاهرة تحتفظ بعلاقات واسعة مع مختلف القوى الكبرى، وهو ما يمنحها مساحة للحركة لا تقوم على الاصطفاف مع طرف واحد.


وهذا تحديدًا ما يجعل القاهرة مكانًا مناسبًا للصين كي تتحدث من خلاله إلى المنطقة.


لا أحد يطلب من العرب اختيار معسكر


من السهل جدًا أن نقرأ أي توسع صيني في الشرق الأوسط باعتباره معركة مع الولايات المتحدة.


لكن السياسة أكثر تعقيدًا من ذلك.


الدول لا تتحرك دائمًا بمنطق «مع هذا أو ضد ذاك».


قد تكون الدولة حليفًا استراتيجيًا لواشنطن، وشريكًا اقتصاديًا لبكين، ولها علاقات مهمة مع أوروبا وآسيا ودول أخرى في الوقت نفسه.


ولا تناقض في ذلك.


بل إن العالم نفسه يتجه نحو تعدد الشراكات.


ولهذا لا ينبغي أن نضع زيارة شي إلى القاهرة في إطار:


الصين أم أميركا؟


بل في إطار أكثر واقعية:


كيف تستطيع دول المنطقة أن توسع خياراتها، وتحافظ على مصالحها، وتزيد قدرتها على التأثير في عالم تتعدد فيه مراكز القوة؟


وهذا فرق جوهري.


فالاستقلال لا يعني أن تغلق أبوابك أمام الآخرين.


الاستقلال يعني أن تفتح أبوابًا كثيرة، لكنك تعرف لماذا تفتح كل باب.


ماذا تريد الصين إذن؟


الصين تريد مصالحها، وهذا طبيعي.


تريد التجارة.


تريد الاستثمار.


تريد الطاقة.


تريد التكنولوجيا.


تريد طرقًا آمنة للتجارة.


تريد حضورًا أكبر في الاقتصاد العالمي.


وتريد، فوق ذلك، أن يكون لها وزن سياسي يتناسب مع وزنها الاقتصادي.


وهذا ليس سرًا.


لكن زيارة القاهرة تكشف شيئًا إضافيًا:


الصين تريد أن تنتقل من كونها قوة اقتصادية في الشرق الأوسط إلى أن تكون واحدة من القوى التي تشارك في صياغة بيئته السياسية والأمنية.


ولهذا تحدث شي عن أربعة مبادئ لبناء هيكل أمني جديد للمنطقة: الأمن المشترك، واحترام السيادة، والحوار، ورفض التدخل الخارجي، مع التأكيد على أن دول الشرق الأوسط يجب أن تكون صاحبة القرار في شؤونها.


وهنا يجب أن ننتبه.


الصين لا تقدم نفسها كقوة عسكرية جديدة جاءت لتحكم المنطقة.


بل تحاول تقديم نفسها كقوة تستطيع أن تكون شريكًا في صياغة الاستقرار.


وهذا أكثر ذكاءً من مجرد الدخول في سباق نفوذ تقليدي.


لماذا الآن؟


لأن الشرق الأوسط يعيش لحظة فراغ.


ليس فراغًا في القوة.


بل فراغًا في القواعد.


هناك قوى كثيرة، لكن لا توجد حتى الآن صيغة مستقرة تحدد كيف ستتعايش هذه القوى.


هناك تحالفات، لكن التحالفات نفسها تتغير.


هناك أمن، لكن تعريف الأمن تغير.


لم يعد الأمن مجرد عدد الطائرات والدبابات.


أصبح أمن الممرات البحرية، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والغذاء، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والقدرة على الصمود.


ومن هنا نفهم لماذا تتحدث الصين عن «هيكل أمني جديد».


إنها ترى أن المنطقة التي تغيرت بيئتها السياسية والاقتصادية والأمنية تحتاج إلى صيغة جديدة.


قد تنجح هذه الرؤية.


وقد تواجه اعتراضات.


وقد تحتاج سنوات طويلة حتى تتحول من فكرة إلى واقع.


لكن مجرد طرحها بهذا الوضوح يعني أن النقاش انتقل إلى مستوى جديد.


والمفارقة أن فلسطين في قلب المشهد


هنا يصبح الأمر بالنسبة لنا مختلفًا.


فلسطين ليست قضية جانبية في الشرق الأوسط.


لكن الخطر أن يتحدث الجميع عن إعادة تشكيل المنطقة، ثم تتحول فلسطين إلى بند من بنود هذا التشكيل.


نحن لا نريد أن تكون فلسطين موضوعًا في النظام الإقليمي الجديد.


نريدها أن تكون طرفًا في صياغته.


وهذا ليس شعارًا.


فالصين ومصر أكدتا خلال الزيارة مركزية القضية الفلسطينية، ودعمتا حل الدولتين، ورفضتا تهجير الفلسطينيين، وشددتا على ضرورة وقف الحرب وتدفق المساعدات والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية.


لكن السؤال الفلسطيني يجب ألا يتوقف عند الترحيب بهذه المواقف.


يجب أن نذهب إلى السؤال الأصعب:


ماذا نريد نحن؟


هنا تبدأ مسؤوليتنا


إذا كان العالم يعيد ترتيب المنطقة، فلا يكفي أن ننتظر مواقف العالم من فلسطين.


نحتاج إلى أن نقدم نحن رؤيتنا.


ماذا نريد لغزة؟


كيف نعيد إعمارها؟


من يديرها؟


كيف ترتبط بالضفة؟


كيف نحمي وحدتها السياسية والجغرافية؟


ما شكل الدولة الفلسطينية التي نريدها؟


كيف نبني اقتصادًا قادرًا على الصمود؟


كيف نحول الاعتراف الدولي إلى نفوذ سياسي حقيقي؟


وكيف نضمن أن لا يصبح مستقبل فلسطين مجرد نتيجة لتفاهمات الآخرين؟


هذه ليست أسئلة يمكن تأجيلها.


لأن الآخرين لن يؤجلوا قراراتهم حتى ننتهي من خلافاتنا.


العالم لا ينتظر الفلسطينيين كي يبدأ في التفكير بفلسطين.


وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نواجهها بلا تجميل.


من يملك الرؤية… يملك مقعده


الصين لا تذهب إلى القاهرة وهي تقول فقط: «نحن نحب مصر».


هي تذهب وهي تحمل تصورًا لمصالحها.


وأميركا لا تتحرك في المنطقة من دون حسابات.


وأوروبا لديها مصالحها.


والدول العربية لديها مصالحها ورؤاها.


وكل دولة تحاول أن تضمن مكانها في العالم القادم.


فلماذا نتصرف نحن وكأن المطلوب من الآخرين أن يقرروا لنا مستقبلنا؟


لماذا لا نذهب نحن أيضًا إلى الطاولة بورقة فلسطينية واضحة؟


ليس بورقة فصيل.


ولا بورقة سلطة.


ولا بورقة حكومة.


بل بورقة فلسطين.


رؤية سياسية.


ورؤية اقتصادية.


ورؤية أمنية.


ورؤية لإعادة الإعمار.


ورؤية للعلاقات العربية والدولية.


ورؤية لكيفية حماية القرار الوطني الفلسطيني من أن يصبح مرة أخرى رهينة للانقسام أو للظروف الإقليمية.


ربما هذه هي الرسالة التي لا نريد سماعها


زيارة شي إلى القاهرة لا تقول للفلسطينيين إن الصين ستنقذهم.


ولا ينبغي أن نفهمها بهذه الطريقة.


الصين دولة كبرى تتحرك وفق مصالحها، كما تفعل كل الدول.


لكن وجودها المتزايد في المنطقة يفتح أمامنا سؤالًا مهمًا:


هل نعرف كيف نتعامل مع عالم متعدد القوى؟


لأن فلسطين لا تستطيع أن تبني مستقبلها على انتظار «الراعي» الجديد.


لا نريد راعيًا جديدًا.


نريد شركاء.


وهناك فرق هائل بين الراعي والشريك.


الراعي يقرر وأنت تنتظر.


أما الشريك فتدخل معه إلى الطاولة وأنت تعرف ماذا تريد.


وهذا هو المطلوب فلسطينيًا.


الشرق الأوسط الجديد لن ينتظرنا


ربما كان أهم ما في زيارة شي إلى القاهرة أنها كشفت أن النقاش الدولي لم يعد يدور فقط حول أزمات الشرق الأوسط الحالية.


بل بدأ يدور حول:


كيف سيكون الشرق الأوسط بعد هذه الأزمات؟


وهنا تكمن الخطورة والفرصة في الوقت نفسه.


الخطورة أن تُرسم قواعد جديدة لا نكون طرفًا فيها.


والفرصة أن ندرك، قبل فوات الأوان، أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى سياسة فلسطينية جديدة.


سياسة لا تنتظر.


لا تكتفي بالاحتجاج.


لا تعيش على ردود الفعل.


ولا تفترض أن عدالة القضية وحدها تكفي لصناعة النفوذ.


القضايا العادلة تحتاج أيضًا إلى أصحاب رؤية، ومؤسسات، وقدرة على التفاوض، وامتلاك للأوراق.


وهذه هي المعركة التي يجب أن نخوضها.


لذلك، لا أعتقد أن السؤال بعد زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة هو:


هل تتجه المنطقة شرقًا أم غربًا؟


ولا:


هل جاءت الصين لتأخذ مكان أميركا؟


هذه أسئلة الماضي.


السؤال الذي يخص المستقبل هو:


هل سيبقى الشرق الأوسط منطقة يحدد الآخرون قواعدها، أم يصبح أهلها شركاء حقيقيين في كتابة هذه القواعد؟


ومصر تعرف موقعها.


والدول العربية تعرف مصالحها.


والقوى الكبرى تعرف ماذا تريد.


أما نحن الفلسطينيين، فعلينا أن نعرف ماذا نريد قبل أن يسألنا الآخرون.


لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لفلسطين ليس أن يختلف العالم عليها.


بل أن يتفق العالم على مستقبل المنطقة… ثم يكتشف أننا لم نكن قد اتفقنا بعد على مستقبل فلسطين.


هذه ليست دعوة إلى الاصطفاف مع الصين.


وليست دعوة إلى الابتعاد عن أميركا.


وليست انتقادًا لمصر أو الخليج أو أي دولة عربية.


إنها دعوة إلى شيء أبسط وأصعب:


أن نمتلك نحن قرارنا، ورؤيتنا، وأوراقنا، ومكاننا على الطاولة.


فالشرق الأوسط يتغير.


وقواعد اللعبة تتغير.


والسؤال لم يعد:


من سيقرر لنا؟


بل:


متى نقرر نحن أن نكون من الذين يقررون؟


م. غسان جابر - فلسطين

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.