مقالات

الصين ومعركة السيادة الذكية.. من امتلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القرار

S
Saiid Toghly
visibility 99
الصين ومعركة السيادة الذكية.. من امتلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القرار


الدكتور ليث عبدالله القهيوي


لم تعد السيادة في القرن الحادي والعشرين مسألة حدود جغرافية تحميها الجيوش، أو قرارات سياسية تصدرها الحكومات، أو موارد اقتصادية تمتلكها الدول. ثمة شكل جديد من السيادة يتكون بصمت، ويتسلل إلى عمق المؤسسات والاقتصادات والمجتمعات، حتى أصبح قادرًا على التأثير في القرار الوطني دون أن يعبر جندي واحد الحدود.

إنها السيادة على التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي.

وفي قلب هذا التحول تقف الصين أمام واحدة من أكثر المعارك الاستراتيجية تعقيدًا في تاريخها الحديث؛ معركة لا تتعلق فقط بموقعها في الاقتصاد العالمي، وإنما بقدرتها على امتلاك الأدوات التي ستحدد استقلال قرارها في العقود المقبلة.

فالتحول الذي يشهده العالم لا يتمثل في انتقال القوة من دولة إلى أخرى فحسب، بل في انتقال جزء متزايد من أدوات التأثير إلى أنظمة رقمية وخوارزميات وبنى تحتية تكنولوجية تتحكم في تدفق المعلومات، وإدارة الموارد، واتخاذ القرارات.

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل تستطيع دولة أن تمتلك قرارها بالكامل إذا كانت الأدوات التي تنتج معلومات ذلك القرار وتحللها وتوجه خياراته مملوكة أو خاضعة لجهات خارجية؟

هذا السؤال يساعد على فهم جانب مهم من التوجه الاستراتيجي الصيني.

فالصين تدرك أن امتلاك المصانع والأسواق والقدرات الإنتاجية، مهما بلغ حجمها، لا يكفي لضمان الاستقلال الاستراتيجي إذا ظلت بعض الحلقات التكنولوجية الحاسمة عرضة للقيود أو الانقطاع أو التحكم الخارجي.

ومن هنا يمكن قراءة اهتمامها بأشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والبنية السحابية، والاتصالات، والبحث العلمي، باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لبناء القدرة على اتخاذ القرار والمحافظة على استمراريته.

لكن المسألة تتجاوز فكرة الاكتفاء التكنولوجي.

فلا توجد قوة كبرى تستطيع عمليًا إنتاج كل مكونات التكنولوجيا المتقدمة بمعزل عن العالم. حتى أكثر الاقتصادات تقدمًا تعتمد على شبكات معقدة من المعرفة والمواد والمعدات والأسواق والخبرات العابرة للحدود.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الصين ليس الانفصال عن النظام التكنولوجي العالمي، بل تقليل نقاط الضعف الاستراتيجية داخله، وتعزيز قدرتها على الابتكار، وتنويع خياراتها، والمشاركة في تطوير المعايير التي تنظمه.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك التكنولوجيا وامتلاك السيادة التكنولوجية.

قد تمتلك دولة أحدث التطبيقات الرقمية، لكنها لا تمتلك القدرة على تطويرها أو فهم آليات عملها أو التحكم في بياناتها. وقد تستخدم مؤسساتها الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بينما تعتمد في وظائفها الأساسية على بنية تكنولوجية لا تستطيع ضمان استمراريتها.

في هذه الحالة، يصبح التقدم الرقمي الظاهر أكبر من الاستقلال الحقيقي.

وهذه مفارقة ستواجه دولًا كثيرة خلال السنوات المقبلة: يمكن أن تصبح الدولة أكثر تقدمًا رقميًا، وفي الوقت نفسه أكثر اعتمادًا على الآخرين استراتيجيًا.

والصين، بما تمتلكه من قاعدة صناعية وعلمية وسوق محلية واسعة، تحاول التعامل مع هذه المفارقة من خلال الربط بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي وتطوير المهارات وبناء منظومات تكنولوجية متكاملة.

غير أن الاختبار الأكثر عمقًا لا يتعلق بحجم الاستثمار في التكنولوجيا، وإنما بطبيعة العلاقة بين التكنولوجيا والقرار.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة لتحسين الإنتاجية أو تسريع الخدمات. إنه يتحول تدريجيًا إلى أداة تدخل في تقييم المخاطر، وتوزيع الموارد، وتحليل الأسواق، وإدارة المدن، والتخطيط الصحي، والتنبؤ الاقتصادي، وصياغة البدائل المتاحة أمام صانع القرار.

وكلما توسع هذا الدور، أصبح السؤال عن ملكية البيانات وشفافية الخوارزميات وقابلية مساءلتها سؤالًا سياسيًا ومؤسسيًا بقدر ما هو تقني.

فإذا كانت الخوارزمية تقترح القرار، فمن يتحمل مسؤوليته؟ وإذا كانت البيانات غير مكتملة أو منحازة، فمن يضمن عدالة النتائج؟ وإذا أصبحت المؤسسات تعتمد بصورة مفرطة على الأنظمة الذكية، فكيف تحافظ على الخبرة البشرية والقدرة على الاعتراض والتصحيح؟

هذه الأسئلة لا تواجه الصين وحدها، بل تواجه جميع الدول التي تسعى إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في مؤسساتها.

لكن أهمية التجربة الصينية تكمن في حجمها، وفي محاولتها الجمع بين التطور التكنولوجي والتخطيط الوطني والتنظيم المؤسسي ضمن نموذج خاص بها.

وهنا تبرز معادلة لا تقل أهمية عن امتلاك الرقائق أو تطوير النماذج الذكية: أن تكون الدولة قادرة على توظيف التكنولوجيا دون أن تصبح قراراتها أسيرة لها.

فالسيادة الذكية لا تعني أن تتحكم الدولة في كل معلومة أو أن تنغلق على العالم، وإنما أن تمتلك المؤسسات القدرة على فهم الأنظمة التي تستخدمها، وحماية البيانات والحقوق، ومراجعة القرارات المؤتمتة، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، ومنع تحول الاعتماد التكنولوجي إلى مصدر هشاشة وطنية.

وهذا يتطلب أكثر من التشريعات.

يتطلب جامعات تنتج المعرفة، ومراكز بحث قادرة على الابتكار، وشركات تستطيع تحويل الأفكار إلى تطبيقات، ومؤسسات عامة تمتلك كفاءات تقنية حقيقية، ومنظومة تعليمية تؤهل الأجيال للتعامل مع اقتصاد لا تتوقف قواعده عن التغير.

كما يتطلب إدراكًا بأن التكنولوجيا المتقدمة تحمل مخاطر لا تقل أهمية عن فرصها؛ من التحيز الخوارزمي وانتهاك الخصوصية إلى تركّز النفوذ الرقمي واتساع الفجوات بين الدول والمجتمعات.

ومن هنا فإن نجاح أي نموذج للسيادة الذكية لا يقاس فقط بمقدار ما ينتجه من تكنولوجيا، بل بقدرته على إخضاع هذه التكنولوجيا للمساءلة وخدمة الإنسان.

وهنا تكتسب التجربة الصينية أهمية خاصة بالنسبة إلى العالم العربي.

فالدول العربية تتوسع في التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والخدمات الحكومية الإلكترونية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق التوسع في هذه التطبيقات هو: ما مقدار القدرة الوطنية التي نبنيها بالتوازي مع استخدامها؟

إن استيراد الأنظمة الذكية قد يختصر الوقت، لكنه لا يضمن وحده بناء المعرفة المحلية. والتعاقد مع الشركات العالمية قد يوفر حلولًا متقدمة، لكنه لا يعوض الحاجة إلى كوادر وطنية قادرة على إدارة التكنولوجيا وتقييمها وتطويرها.

ولذلك فإن العلاقة العربية مع الصين في المجال التكنولوجي ينبغي أن تقوم على مفهوم يتجاوز شراء الحلول الجاهزة، نحو الشراكة في تطوير التطبيقات، وتأهيل الباحثين، وإنشاء المختبرات المشتركة، وبناء القدرات الصناعية والرقمية.

ولا يعني ذلك حصر الخيارات العربية في شريك واحد؛ فالاستقلال الاستراتيجي يتطلب تنويع الشراكات، وتجنب الارتهان لمورد منفرد، والحفاظ على القدرة الوطنية على الاختيار.

وفي الأردن تحديدًا، يمكن أن يكون الاستثمار في الإنسان نقطة الانطلاق لبناء موقع أكثر فاعلية في هذا التحول. فالقيمة الاستراتيجية للكفاءات الأردنية في البرمجة والهندسة والبحث العلمي وريادة الأعمال لا تتحدد بعدد العاملين في هذه المجالات فقط، وإنما بقدرتهم على تطوير حلول قابلة للتطبيق والتصدير، والمشاركة في إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء باستخدامها.

لكن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى تحول في طريقة التفكير المؤسسي: من قياس النجاح بعدد الأنظمة الرقمية التي يتم تشغيلها إلى قياسه بحجم المعرفة الوطنية التي تُبنى، والمهارات التي تتطور، والاعتماد الخارجي الذي يمكن إدارته أو تقليص مخاطره.

وهذه ليست قضية تقنية ثانوية، بل مسألة تتصل بمستقبل القدرة الوطنية على اتخاذ القرار.

وعلى المستوى الدولي، قد تصبح الحوكمة التكنولوجية واحدة من أهم ساحات التفاوض بين القوى الكبرى خلال العقد المقبل.

فالمنافسة لن تقتصر على تطوير النموذج الأكثر تقدمًا أو إنتاج الرقاقة الأسرع، وإنما ستمتد إلى وضع قواعد حماية البيانات، وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد المسؤولية عن أخطائه، وضمان العدالة في الوصول إلى التكنولوجيا، ومنع استخدامها بصورة تقوض الأمن أو الحقوق الأساسية.

وفي هذه الساحة ستكون الصين أمام اختبار مزدوج: تطوير قدراتها الوطنية من جهة، والمساهمة في بناء قواعد دولية تتيح للدول الأخرى فرصًا عادلة للاستفادة من التقدم التكنولوجي من جهة ثانية.

فالعالم لا يحتاج إلى انتقال الاحتكار التكنولوجي من طرف إلى آخر، وإنما إلى نظام يقلل التبعية القسرية ويوسع فرص المشاركة ويوازن بين الابتكار والمسؤولية.

وهنا تظهر الحقيقة الاستراتيجية الأعمق: لم تعد السيادة مجرد قدرة الدولة على رفض القرار الخارجي، بل أصبحت أيضًا قدرتها على إنتاج البدائل التي تجعل ذلك الرفض ممكنًا.

فالدولة التي لا تمتلك بدائل تكنولوجية حقيقية قد تجد نفسها مضطرة إلى قبول شروط لا تنسجم تمامًا مع أولوياتها، حتى لو احتفظت باستقلالها السياسي والقانوني.

وفي المقابل، فإن الدولة التي تستثمر في المعرفة والمؤسسات والكفاءات وتعدد الخيارات تستطيع التفاوض من موقع أكثر استقلالًا.

لهذا فإن المعركة التكنولوجية المقبلة لن يحسمها بالضرورة من يطور أكبر عدد من التطبيقات، وإنما من ينجح في بناء منظومة معرفية ومؤسسية قادرة على الابتكار والتكيف وحماية القرار الوطني.

والصين تدرك أن هذا الاختبار سيكون طويلًا، وأن التفوق في بعض المجالات لا يلغي وجود فجوات وتحديات في مجالات أخرى.

لكن أهمية ما يجري اليوم تتجاوز النتائج المباشرة لهذه المنافسة.

إننا نشهد بداية مرحلة يعاد فيها تعريف الاستقلال الوطني نفسه.

فبعد أن ارتبطت السيادة تاريخيًا بالأرض والحدود والموارد، أصبحت ترتبط أيضًا بالبيانات والمعرفة والقدرة الحاسوبية والخوارزميات والبنية التحتية الرقمية.

وفي عالم كهذا، لن يكون السؤال الأكثر خطورة: من يمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا؟

بل: من يمتلك القدرة على اتخاذ قراره عندما تصبح التكنولوجيا جزءًا من صناعة ذلك القرار؟

ذلك هو الاختبار الذي تواجهه الصين، والذي ستواجهه معها بقية دول العالم.

فالسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي لن تُفقد بالضرورة عندما تعجز الدولة عن حماية حدودها، بل قد تتآكل تدريجيًا عندما تفقد القدرة على فهم الأدوات التي تدير مستقبلها.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست على من يمتلك الآلة الأذكى، بل على من يبقى قادرًا على التفكير والاختيار والمساءلة عندما تصبح الآلة شريكًا في صناعة القرار.



التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.