مقالات

البريكس من نيودلهي إلى 2027: حين يكتب الجنوب العالمي المستقبل

S
Saiid Toghly
visibility 76
البريكس من نيودلهي إلى 2027: حين يكتب الجنوب العالمي المستقبل


بقلم: نجيب الكمالي

رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين


بصراحة، حين بدأت أقرأ كلمة الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة البريكس بنيودلهي، لم أتوقع أن أتوقف عندها بهذا الشكل. في العادة أقرأ كلمات القمم وأتجاوز كثيراً من تفاصيلها لكن هذه المرة وجدت فيها شيئاً يلامس أسئلة نعيشها نحن في منطقتنا كل يوم: هل سنظل متفرجين على العالم وهو يتغير من حولنا، أم سنجد لنا مكاناً في صناعة هذا التغيير؟

لفتني في حديث شي أنه لم يتعامل مع المستقبل باعتباره سباقاً في التكنولوجيا فقط. تحدث عن الذكاء الاصطناعي والتطور التقني، لكنه توقف أيضاً عند مسألة مهمة: من يستطيع الوصول إلى هذه التكنولوجيا؟ وهل ستبقى حكراً على عدد محدود من الدول، أم تصبح فرصة للدول النامية كي تدخل هذا السباق وتشارك فيه؟

وأنا أقرأ ذلك، ذهبت أفكاري مباشرة إلى اليمن.

ما الذي يمكن أن تفعله التكنولوجيا في بلد ما زالت الحرب تستنزف حاضره؟ ماذا يعني أن نتحدث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بينما هناك أسر تبحث عن الأمان، وشباب يؤجلون أحلامهم، وبلد يحتاج أولاً إلى أن يستعيد شيئاً من استقراره؟

الحرب بالنسبة لنا ليست خبراً نقرأه ثم ننتقل إلى خبر آخر. هي حياة كاملة تتغير. بيت يغلق، أسرة تتشتت، شاب تتوقف خططه، وطفل يكبر في ظروف لم يخترها.

لهذا لم أقرأ حديث شي عن السلام والقضية الفلسطينية وضرورة الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار باعتباره مجرد موقف سياسي ضمن كلمة في قمة دولية. بالنسبة لنا، السلام ليس فكرة بعيدة أو شعاراً دبلوماسياً. هو البداية التي يمكن بعدها أن نتحدث عن التنمية والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا.

وأمر آخر شدني في الكلمة: حضور الإنسان وسط كل هذا الحديث عن القوة والتنافس الدولي.

الثقافة والتعليم والشباب والتواصل بين الشعوب ليست تفاصيل جانبية. قد تجعل التكنولوجيا العالم أقرب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني الثقة بين الناس. هذه تحتاج إلى معرفة بالآخر وحوار حقيقي، بعيداً عن الخوف والصور الجاهزة.

لهذا أعتقد أن فكرة البريكس اليوم أصبحت أكبر من مجرد مجموعة اقتصادية تضم دولاً كبيرة وأسواقاً ناشئة. التوسع مهم، والقوة الاقتصادية مهمة، لكن الأهم بالنسبة لي هو ما الذي ستفعله هذه القوة.

الصين ستتولى رئاسة البريكس في 2027، وستستضيف القمة التاسعة عشرة. وهنا سيكون الكلام أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع المجموعة أن تحول ما تقوله عن التنمية والتكنولوجيا والسلام إلى خطوات يشعر بها الناس في دول الجنوب؟

توقفت أيضاً عند دعوة شي لأن تكون البريكس «طليعة العصر». العبارة بالنسبة لي تحمل معنى واضحاً: أن لا تبقى دول الجنوب مجرد أسواق تستهلك ما ينتجه الآخرون، بل أن تصبح جزءاً من عملية الإنتاج وصناعة المعرفة والتكنولوجيا.

وأنا أقرأ الكلمة، ظل سؤال واحد يعود إليّ: ماذا لو لم يعد المستقبل يُكتب من مركز واحد في العالم؟

ربما تكون البريكس واحدة من المساحات التي يحاول فيها الجنوب العالمي أن يقول إن له رؤيته ومصالحه وصوته أيضاً.

لكن النجاح لن يقاس بعدد الدول التي تنضم إلى المجموعة، ولا بحجم اقتصاداتها فقط. سيقاس بما إذا كان المواطن في دولة نامية سيجد فرصة أفضل في التعليم، ووصولاً أوسع إلى التكنولوجيا، واقتصاداً أكثر قدرة على خلق العمل، وبيئة أكثر أمناً واستقراراً.

فلا يكفي أن نصل إلى عصر الذكاء الاصطناعي إذا بقيت شعوب كثيرة تكافح من أجل أبسط احتياجات الحياة.

ومن هنا أرى أن الطريق إلى 2027 سيكون مهماً. ليس لأنه موعد لقمة جديدة فقط، وإنما لأنه قد يكون فرصة لمعرفة ما إذا كانت البريكس ستظل إطاراً للتنسيق بين دول كبيرة، أم تتحول فعلاً إلى مساحة يشارك فيها الجنوب العالمي في كتابة جزء من مستقبل العالم.

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.